في خضم الحروب المتلاحقة التي تعصف بعدد من الدول العربية، تتجه الأنظار غالبا إلى أعداد الضحايا والدمار المادي، بينما تبقى معاناة فئات أكثر هشاشة بعيدة عن الضوء، ومن بين هؤلاء، يقف الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد في مواجهة واقع قاس، حيث تتقاطع تحديات المرض مع أهوال النزوح والخوف وانهيار الخدمات، لتتحول حياتهم اليومية إلى معركة مستمرة من أجل التكيف والبقاء.
اقرا أيضأ|ماذا لو اختفت الشمس فجأة؟.. دقائق قليلة تفصل الأرض عن ظلام أبدي ونهاية الحياة
تشكل النزاعات الدائرة في المنطقة العربية، من غزة إلى السودان واليمن، مروراً بتداعيات الصراعات في ليبيا وسوريا، عبئا مضاعفاً على الأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم، فبين مخيمات النزوح، وانعدام الاستقرار، وتدهور البنى الصحية، تتفاقم معاناة هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون بطبيعتهم إلى بيئة مستقرة ورعاية خاصة.
ويأتي إحياء اليوم العالمي للتوعية بالتوحد هذا العام تحت شعار “الانتقال من البقاء إلى الازدهار”، في وقت يبدو فيه هذا الهدف بعيد المنال لكثير من المصابين في مناطق النزاع، حيث لا يزال التحدي الأساسي هو مجرد النجاة.
التوحد هو اضطراب عصبي يظهر في مراحل الطفولة المبكرة ويستمر مدى الحياة، ويؤثر في طريقة تفاعل الفرد مع الآخرين، وأنماط تعلمه، وسلوكه. ولا يرتبط ظهوره بعوامل العرق أو الجنس أو المستوى الاقتصادي. غير أن التعامل معه يتطلب فهماً عميقاً وإمكانات تأهيلية مستمرة، وهي أمور تفتقر إليها كثير من الدول العربية حتى في أوقات السلم.
ورغم الاعتقاد الشائع بأن نسب الإصابة أقل في الدول العربية، تشير تقديرات دولية إلى تقارب المعدلات عالمياً، مع اختلاف في نسب التشخيص والوعي، فالعوامل الثقافية تلعب دوراً في تأخر اكتشاف الحالات، إذ تميل بعض الأسر إلى تفسير السلوكيات غير المعتادة لدى الأطفال باعتبارها أموراً طبيعية، ما يؤخر التدخل الطبي والتأهيلي.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول حياة أسر الأطفال المصابين بالتوحد إلى تحدٍ يومي، يزداد تعقيداً في أوقات الحروب، فمع انهيار الأنظمة الصحية وإغلاق مراكز التأهيل، يصبح الوصول إلى أبسط أشكال الدعم أمراً شبه مستحيل.
في قطاع غزة، على سبيل المثال، تضاعفت معاناة الأطفال المصابين بالتوحد مع اندلاع الحرب، حيث دمرت مراكز الرعاية القليلة، وفقدت البيئة الآمنة التي يحتاجونها، ويعاني هؤلاء الأطفال حساسية مفرطة تجاه الأصوات، ما يجعل القصف المستمر مصدراً دائماً للرعب والاضطراب، في ظل غياب أي وسائل للحماية أو التهدئة.
أما في اليمن، فقد نشأ جيل كامل من الأطفال المصابين بالتوحد في ظل الحرب، دون تشخيص أو رعاية كافية، بينما يواجه السودان ظروفاً مشابهة مع تدهور الخدمات وإغلاق المراكز المتخصصة،وفي ليبيا وسوريا، أسهمت سنوات الصراع في تعميق الفجوة بين المرضى والخدمات، وزادت من عزلة هذه الفئة.
وتشير تقارير أممية إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة الأطفال، يواجهون مخاطر مضاعفة خلال النزاعات، بدءاً من صعوبة الوصول إلى الاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى تجاهل احتياجاتهم في خطط الإغاثة، وغالباً ما يصبحون “غير مرئيين” في خضم الأزمات الإنسانية.
وفي مثل هذه الظروف، تعيد الأسر ترتيب أولوياتها نحو البقاء وتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يدفع بقضايا التوحد إلى الخلف، رغم حساسيتها، ويظل العبء الأكبر على عاتق الأهالي الذين يكافحون للحفاظ على استقرار أبنائهم في بيئات تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان.
تكشف معاناة الأطفال المصابين بالتوحد في مناطق النزاع عن فجوة إنسانية عميقة تتجاوز حدود المرض نفسه، لتلامس قضايا العدالة والرعاية والحق في الحياة الكريمة، وبينما يدعو العالم إلى تمكين هذه الفئة وإدماجها، تفرض الحروب واقعاً مغايراً، حيث يصبح "البقاء" إنجازاً بحد ذاته، ويبقى التحدي الحقيقي في إعادة وضع هؤلاء الأطفال على خريطة الاهتمام، وضمان ألا تبتلعهم صراعات لا صوت لهم فيها.

العلامات المبكرة لتوقف التنفس أثناء النوم
تناول وجبات صغيرة والابتعاد عن الأطعمة الدسمة.. خطوات للتخلص من مرارة الفم
لقاح جديد للسرطان يُظهر استئصال الورم في تجربة مبكرة







